فصل: تفسير الآية رقم (57):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (56):

{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ}.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ مَا يُرْسِلُ الرُّسُلَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ مَنْ أَطَاعَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَمُنْذِرِينَ مَنْ عَصَاهُمْ بِالنَّارِ، وَكَرَّرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [6/ 48]، وَقَدْ أَوْضَحْنَا مَعْنَى الْبِشَارَةِ وَالْإِنْذَارِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ} الْآيَةَ [18/ 2]، وَانْتِصَابُ قَوْلِهِ: {مُبَشِّرِينَ} عَلَى الْحَالِ، أَيْ: مَا نُرْسِلُهُمْ إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهِمْ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ}.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُجَادِلُونَ بِالْبَاطِلِ، أَيْ: يُخَاصِمُونَ الرُّسُلَ بِالْبَاطِلِ، كَقَوْلِهِمْ فِي الرَّسُولِ: سَاحِرٌ، شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، وَكَقَوْلِهِمْ فِي الْقُرْآنِ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، سِحْرٌ، شِعْرٌ، كِهَانَةٌ، وَكَسُؤَالِهِمْ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَذِي الْقَرْنَيْنِ، وَسُؤَالِهِمْ عَنِ الرُّوحِ عِنَادًا وَتَعَنُّتًا، لِيُبْطِلُوا الْحَقَّ بِجِدَالِهِمْ وَخِصَامِهِمْ بِالْبَاطِلِ، فَالْجِدَالُ: الْمُخَاصَمَةُ، وَمَفْعُولُ: {يُجَادِلُ} مَحْذُوفٌ دَلَّ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُهُمُ الْكُفَّارُ بِالْبَاطِلِ هُمُ الْمُرْسَلُونَ الْمَذْكُورُونَ آنِفًا، وَحَذْفُ الْفَضْلَةِ إِذَا دَلَّ الْمَقَامُ عَلَيْهَا جَائِزٌ، وَوَاقِعٌ كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ: كَمَا عَقَدَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَحَذْفُ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضُرْ ** كَحَذْفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ

وَالْبَاطِلُ: ضِدُّ الْحَقِّ وَكُلُّ شَيْءٍ زَائِلٌ مُضْمَحِلٌّ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ: بَاطِلًا، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ ** وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ

وَيُجْمَعُ الْبَاطِلُ كَثِيرًا عَلَى أَبَاطِيلَ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَحَائِدٌ عَنِ الْقِيَاسِ كُلُّ مَا خَالَفَ ** فِي الْبَابَيْنِ حُكْمًا رَسْمَا

وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا ** وَمَا مَوَاعِيدُهُ إِلَّا الْأَبَاطِيلُ

وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى الْبَوَاطِلِ قِيَاسًا، وَالْحَقُّ: ضِدُّ الْبَاطِلِ، وَكُلُّ شَيْءٍ ثَابِتٌ غَيْرُ زَائِلٍ وَلَا مُضْمَحِلٍّ تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ حَقًّا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [18/ 56]، أَيْ: لِيُبْطِلُوهُ وَيُزِيلُوهُ بِهِ وَأَصْلُهُ مِنْ إِدْحَاضِ الْقَدَمِ، وَهُوَ إِزْلَاقُهَا وَإِزَالَتُهَا عَنْ مَوْضِعِهَا، تَقُولُ الْعَرَبُ، دَحَضَتْ رِجْلُهُ: إِذَا زَلِقَتْ، وَأَدْحَضَهَا اللَّهُ أَزْلَقَهَا، وَدَحَضَتْ حُجَّتُهُ إِذَا بَطَلَتْ، وَأَدْحَضَهَا اللَّهُ أَبْطَلَهَا، وَالْمَكَانُ الدَّحْضُ: هُوَ الَّذِي تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ؟ وَمِنْهُ قَوْلُ طَرَفَةَ:
أَبَا مُنْذِرٍ رُمْتَ الْوَفَاءَ فَهِبْتَهُ ** وَحِدْتَ كَمَا حَادَ الْبَعِيرُ عَنِ الدَّحْضِ

وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ مُجَادَلَةِ الْكُفَّارِ لِلْمُرْسَلِ بِالْبَاطِلِ أُوَضَحَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ: كَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [42/ 16]، وَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [9/ 32]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [61/ 8]، وَإِرَادَتُهُمْ إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، إِنَّمَا هِيَ بِخِصَامِهِمْ وَجِدَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، أَنَّ مَا أَرَادَهُ الْكُفَّارُ مِنْ إِدْحَاضِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ لَا يَكُونُ، وَأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى مَا أَرَادُوا، بَلِ الَّذِي سَيَكُونُ هُوَ عَكْسُ مَا أَرَادُوهُ فَيُحِقُّ الْحَقَّ وَيُبْطِلُ الْبَاطِلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [61/ 9]، وَكَقَوْلِهِ: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [9/ 33]، وَقَوْلِهِ: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [9/ 32]،
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [21/ 18]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [17/ 81]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} [13/ 17]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ سَيَظْهَرُ وَيَعْلُو، وَأَنَّ الْبَاطِلَ سَيَضْمَحِلُّ وَيَزْهَقُ وَيَذْهَبُ جُفَاءً، وَذَلِكَ هُوَ نَقِيضُ مَا كَانَ يُرِيدُهُ الْكُفَّارُ مِنْ إِبْطَالِ الْحَقِّ وَإِدْحَاضِهِ بِالْبَاطِلِ عَنْ طَرِيقِ الْخِصَامِ وَالْجِدَالِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا}.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ اتَّخَذُوا آيَاتِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى رَسُولِهِ، وَإِنْذَارِهِ لَهُمْ هُزُؤًا، أَيْ: سُخْرِيَةً وَاسْتِخْفَافًا، وَالْمَصْدَرُ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: اتَّخَذُوهَا مَهْزُوءًا بِهَا مُسْتَخَفًّا بِهَا: كَقَوْلِهِ: {إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [25/ 30].
وَهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ هُنَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا} [45/ 9]، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [36/ 30]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [6/ 10]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} الْآيَةَ [9/ 65- 66] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَمَا فِي قَوْلِهِ: {مَا أُنْذِرُوا} مَصْدَرِيَّةٌ، كَمَا قَرَّرْنَا، وَعَلَيْهِ فَلَا ضَمِيرَ مَحْذُوفٌ، وَقِيلَ هِيَ مَوْصُولَةٌ وَالْعَائِدٌ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: {وَمَا أُنْذِرُوا بِهِ هُزُوًا}، وَحَذْفُ الْعَائِدِ الْمَجْرُورِ بِحَرْفٍ إِنَّمَا يَطَّرِدُ بِالشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
كَذَلِكَ الَّذِي جُرَّ بِمَا الْمَوْصُولِ جَرْ ** كَمَرَّ بِالَّذِي مَرَرْتُ فَهْوَ بَرْ

وَفِي قَوْلِهِ: {هُزُوًا} ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ سَبْعِيَّةٌ قَرَأَهُ حَمْزَةُ بِإِسْكَانِ الزَّايِ فِي الْوَصْلِ، وَبَقِيَّةُ السَّبْعَةِ بِضَمِّ الزَّايِ وَتَحْقِيقِ الْهَمْزَةِ، إِلَّا حَفْصًا عَنْ عَاصِمٍ فَإِنَّهُ يُبْدِلُ الْهَمْزَةَ وَاوًا، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ حَمْزَةَ فِي الْوَقْفِ.

.تفسير الآية رقم (57):

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ، أَيْ: أَكْثَرُ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ مِمَّنْ ذُكِّرَ، أَيْ: وُعِظَ بِآيَاتِ رَبِّهِ، وَهِيَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ: {فَأَعْرَضَ عَنْهَا} [18/ 57]، أَيْ: تَوَلَّى وَصَدَّ عَنْهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَاتِ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ لِقَرِينَةِ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ الْعَائِدِ إِلَى الْآيَاتِ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يَفْقَهُوهُ، أَيِ: الْقُرْآنَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْآيَاتِ، وَيُحْتَمَلُ شُمُولُ الْآيَاتِ لِلْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يَفْقَهُوهُ أَيْ: مَا ذُكِّرَ مِنَ الْآيَاتِ، كَقَوْلِ رُؤْبَةَ:
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [2/ 68]، أَيْ: ذَلِكَ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الْفَارِضِ وَالْبِكْرِ، وَنَظِيرُهُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرَى:
إِنَّ لِلْخَيْرِ وَلِلشَّرِّ مَدًى ** وَكِلَا ذَلِكَ وَجْهٌ وَقُبُلْ أَيْ

: كِلَا ذَلِكَ الْمَذْكُورِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَ هَذَا، وَقَوْلُهُ: {وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [18/ 57]، أَيْ: مِنَ الْمَعَاصِي وَالْكُفْرِ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْسَهُ بَلْ هُوَ مُحْصِيهِ عَلَيْهِ وَمُجَازِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [58/ 6]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [19/ 64]، وَقَالَ تَعَالَى: {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [20/ 52]، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ: وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ أَيْ: تَرَكَهُ عَمْدًا وَلَمْ يَتُبْ مِنْهُ، وَبِهِ صَدَّرَ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ أَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ التَّذْكِرَةِ بِآيَاتِ اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ الظُّلْمِ، قَدْ زَادَ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ بَيَانَ أَشْيَاءَ مِنَ النَّتَائِجِ السَّيِّئَةِ، وَالْعَوَاقِبِ الْوَخِيمَةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنِ التَّذْكِرَةِ، فَمِنْ نَتَائِجِهِ السَّيِّئَةِ: مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ أَنَّ صَاحِبَهُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ ظُلْمًا، وَمِنْ نَتَائِجِهِ السَّيِّئَةِ جَعْلُ الْأَكِنَّةِ عَلَى الْقُلُوبِ حَتَّى لَا تَفْقَهَ الْحَقَّ، وَعَدَمُ الِاهْتِدَاءِ أَبَدًا كَمَا قَالَ هُنَا مُبَيِّنًا بَعْضَ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الْعَوَاقِبِ السَّيِّئَةِ: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [18/ 57]، وَمِنْهَا انْتِقَامُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا مِنَ الْمُعْرِضِ عَنِ التَّذْكِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [32/ 22]، وَمِنْهَا كَوْنُ الْمُعْرِضِ كَالْحِمَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ} الْآيَةَ [74/ 49- 50]، وَمِنْهَا الْإِنْذَارُ بِصَاعِقَةٍ مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} الْآيَةَ [41/ 13]، وَمِنْهَا الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ وَالْعَمَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [20/ 124]، وَمِنْهَا سَلْكُهُ الْعَذَابَ الصَّعَدَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [72/ 17]، وَمِنْهَا تَقْيِيضُ الْقُرَنَاءِ مِنَ الشَّيَاطِينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [43/ 36]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّتَائِجِ السَّيِّئَةِ، وَالْعَوَاقِبِ الْوَخِيمَةِ النَّاشِئَةِ عَنِ الْإِعْرَاضِ عَنِ التَّذْكِيرِ بِآيَاتِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَقَدْ أَمَرَ تَعَالَى فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْمُتَوَلِّي عَنْ ذِكْرِهِ، الْقَاصِرِ نَظَرُهُ عَلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَبْلَغَهُ مِنَ الْعِلْمِ، فَلَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِمَا يَنْفَعُهُ فِي مَعَادِهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [53/ 29- 30]، وَقَدْ نَهَى جَلَّ وَعَلَا عَنْ طَاعَةِ مِثْلِ ذَلِكَ الْمُتَوَلِّي عَنِ الذِّكْرِ الْغَافِلِ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [18/ 28]، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ أَيْ: مَا قَدَّمَ مِنْ أَعْمَالِ الْكُفْرِ، وَنِسْبَةُ التَّقْدِيمِ إِلَى خُصُوصِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْيَدَ أَكْثَرُ مُزَاوَلَةً لِلْأَعْمَالِ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْضَاءِ، فَنُسِبَتِ الْأَعْمَالُ إِلَيْهَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي كَلَامِهِمْ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَعْمَالُ الَّتِي قَدَّمَهَا مِنْهَا مَا لَيْسَ بِالْيَدِ كَالْكُفْرِ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا تُزَاوَلُ بِالْيَدِ كَالزِّنَا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} الْآيَةَ [18/ 57]، وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [11/ 18]، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَشْهُرُ أَوْجُهِ الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّ مَنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِ: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ فَعَلَ كَذَا، لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَإِذًا فَهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي الظُّلْمِ لَا يَفُوقُ بَعْضُهُمْ فِيهِ بَعْضًا، فَلَا إِشْكَالَ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِنْهُ، وَالثَّانِي أَنَّ صِلَةَ الْمَوْصُولِ تُعَيِّنُ كُلَّ وَاحِدٍ فِي مَحَلِّهِ، وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا} [18/ 57]، لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ فَأَعْرَضَ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا، وَفِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [11/ 18] لَا أَحَدَ مِنَ الْمُفْتَرِينَ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، وَهَكَذَا الْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ جَارٍ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَمِمَّنِ اخْتَارَهُ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}.
ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ جَعَلَ عَلَى قُلُوبِ الظَّالِمِينَ الْمُعْرِضِينَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا أَكِنَّةً، أَيْ: أَغْطِيَةً تُغَطِّي قُلُوبَهُمْ فَتَمْنَعُهَا مِنْ إِدْرَاكِ مَا يَنْفَعُهُمْ مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ، وَوَاحِدُ الْأَكِنَّةِ كِنَانٌ، وَهُوَ الْغِطَاءُ، وَأَنَّهُ جَعَلَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، أَيْ: ثِقَلًا يَمْنَعُهَا مِنْ سَمَاعِ مَا يَنْفَعُهُمْ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي ذُكِّرُوا بِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى أَوْضَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [2/ 7]، وَقَوْلِهِ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} الْآيَةَ [45/ 23]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [17/ 45]، وَقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [47/ 23]، وَقَوْلِهِ: {مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [11/ 20]، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَلَا يُبْصِرُونَ وَلَا يَفْقَهُونَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْأَكِنَّةَ الْمَانِعَةَ مِنَ الْفَهْمِ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَالْوَقْرَ الَّذِي هُوَ الثِّقَلُ الْمَانِعُ مِنَ السَّمْعِ فِي آذَانِهِمْ فَهُمْ مَجْبُورُونَ، فَمَا وَجْهُ تَعْذِيبِهِمْ عَلَى شَيْءٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْعُدُولَ عَنْهُ وَالِانْصِرَافَ إِلَى غَيْرِهِ؟!
فَالْجَوَابُ: أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا بَيَّنَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَظِيمِ: أَنَّ تِلْكَ الْمَوَانِعَ الَّتِي يَجْعَلُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ، كَالْخَتْمِ وَالطَّبْعِ وَالْغِشَاوَةِ وَالْأَكِنَّةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ إِنَّمَا جَعَلَهَا عَلَيْهِمْ جَزَاءً وِفَاقًا لِمَا بَادَرُوا إِلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَتَكْذِيبِ الرُّسُلِ بِاخْتِيَارِهِمْ، فَأَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِالطَّبْعِ وَالْأَكِنَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، جَزَاءً عَلَى كُفْرِهِمْ، فَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [4/ 155]، أَيْ: بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وَهُوَ نَصٌّ قُرْآنِيٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كُفْرَهُمُ السَّابِقَ هُوَ سَبَبُ الطَّبْعِ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَقَوْلُهُ: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [61/ 5].
وَهُوَ دَلِيلٌ أَيْضًا وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ سَبَبَ إِزَاغَةِ اللَّهِ قُلُوبَهُمْ هُوَ زَيْغُهُمُ السَّابِقُ، وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [63/ 3]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} الْآيَةَ [2/ 10]، وَقَوْلُهُ: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [6/ 110]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [83/ 14]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الطَّبْعَ عَلَى الْقُلُوبِ وَمَنْعَهَا مِنْ فَهْمِ مَا يَنْفَعُ عِقَابٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْكُفْرِ السَّابِقِ عَلَى ذَلِكَ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ وَجْهُ رَدِّ شُبْهَةِ الْجَبْرِيَّةِ الَّتِي يَتَمَسَّكُونَ بِهَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ وَأَمْثَالِهَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْنَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ أَيْضًا عَنْ سُؤَالٍ يَظْهَرُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ فِيمَا قَرَّرْنَا: وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: قَدْ بَيَّنْتُمْ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أَنَّ جَعْلَ الْأَكِنَّةِ عَلَى الْقُلُوبِ مِنْ نَتَائِجِ الْإِعْرَاضِ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ عِنْدَ التَّذْكِيرِ بِهَا، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَكْسَ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ الْإِعْرَاضَ الْمَذْكُورَ سَبَبُهُ هُوَ جَعْلُ الْأَكِنَّةِ عَلَى الْقُلُوبِ؛ لِأَنَّ إِنَّ مِنْ حُرُوفِ التَّعْلِيلِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ فِي مَسْلَكِ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ، كَقَوْلِكَ: اقْطَعْهُ إِنَّهُ سَارِقٌ، وَعَاقِبْهُ إِنَّهُ ظَالِمٌ، فَالْمَعْنَى: اقْطَعْهُ لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِ، وَعَاقِبْهُ لِعِلَّةِ ظُلْمِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} [18/ 57]، أَيْ: أَعْرَضَ عَنْهَا لِعِلَّةِ جَعْلِ الْأَكِنَّةِ عَلَى قُلُوبِهِمْ؛ لِأَنَّ الْآيَاتِ الْمَاضِيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الطَّبْعَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ تَارَةً بِالطَّبْعِ، وَتَارَةً بِالْخَتْمِ، وَتَارَةً بِالْأَكِنَّةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ سَبَبُهُ الْأَوَّلُ الْإِعْرَاضُ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْكُفْرُ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ سُؤَالَانِ مَعْرُوفَانِ، الْأَوَّلُ: أَنْ يُقَالَ: مَا مُفَسِّرُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: أَنْ يَفْقَهُوهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ الْآيَاتُ فِي قَوْلِهِ: {ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} [18/ 57]، بِتَضْمِينِ الْآيَاتِ مَعْنَى الْقُرْآنِ، فَقَوْلُهُ: أَنْ يَفْقَهُوهُ، أَيِ: الْقُرْآنُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْآيَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ قَرِيبًا.
السُّؤَالُ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: مَا وَجْهُ إِفْرَادِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: ذُكِّرَ، وَقَوْلِهِ: أَعْرَضَ عَنْهَا، وَقَوْلِهِ: وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ، مَعَ الْإِتْيَانِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، مَعَ أَنَّ مُفَسِّرَ جَمِيعِ الضَّمَائِرِ الْمَذْكُورَةِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الِاسْمُ الْمَوْصُولُ فِي قَوْلِهِ: مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ الْآيَةَ.
وَالْجَوَابُ: هُوَ أَنَّ الْإِفْرَادَ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ مَنْ، وَالْجَمْعُ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَالتَّحْقِيقُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ جَوَازُ مُرَاعَاةِ اللَّفْظِ تَارَةً، وَمُرَاعَاةِ الْمَعْنَى تَارَةً أُخْرَى مُطْلَقًا، خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ مُرَاعَاةَ اللَّفْظِ بَعْدَ مُرَاعَاةِ الْمَعْنَى لَا تَصِحُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} [65/ 11]، فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ رَاعَى لَفْظَ مَنْ أَوَّلًا فَأَفْرَدَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: يُؤْمِنْ، وَقَوْلِهِ: {وَيَعْمَلْ}، وَقَوْلِهِ: {يُدْخِلْهُ} وَرَاعَى الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: خَالِدِينَ فَأَتَى فِيهِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، ثُمَّ رَاعَى اللَّفْظَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا. وَقَوْلُهُ: أَنْ يَفْقَهُوهُ، فِيهِ وَفِي كُلِّ مَا يُشَابِهُهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ لِعُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَعْنَى جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً لِئَلَّا يَفْقَهُوهُ، وَعَلَيْهِ فَلَا النَّافِيَةُ مَحْذُوفَةٌ دَلَّ الْمَقَامُ عَلَيْهَا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ هُنَا اقْتَصَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً كَرَاهَةَ أَنْ يَفْقَهُوهُ، وَعَلَى هَذَا فَالْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي كُلِّهَا الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [4/ 176]، أَيْ: لِئَلَّا تَضِلُّوا، أَوْ كَرَاهَةَ أَنْ تَضِلُّوا، وَقَوْلِهِ: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [49/ 6]، أَيْ: لِئَلَّا تُصِيبُوا، أَوْ كَرَاهَةَ أَنْ تُصِيبُوا، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ يَفْقَهُوهُ} أَيْ: يَفْهَمُوهُ، فَالْفِقْهُ: الْفَهْمُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} [4/ 78]، أَيْ: يَفْهَمُونَهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} [11/ 91]، أَيْ: مَا نَفْهَمُهُ، وَالْوَقْرُ: الثِّقَلُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ: الْوَقْرُ بِالْفَتْحِ، الثِّقَلُ فِي الْأُذُنِ، وَالْوِقْرُ بِالْكَسْرِ: الْحِمْلُ، يُقَالُ جَاءَ يَحْمِلُ وِقْرَهُ، وَأَوْقَرَ بِعِيرَهُ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ الْوِقْرُ فِي حِمْلِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ اهـ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ، قَالَ فِي ثِقَلِ الْأُذُنِ: {وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [6/ 25]، وَقَالَ فِي الْحِمْلِ: {فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} [51/ 2].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا}.
بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً تَمْنَعُهُمْ أَنْ يَفْقَهُوا مَا يَنْفَعُهُمْ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الَّتِي ذُكِّرُوا بِهَا لَا يَهْتَدُونَ أَبَدًا، فَلَا يَنْفَعُ فِيهِمْ دُعَاؤُكَ إِيَّاهُمْ إِلَى الْهُدَى، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَشَارَ لَهُ هُنَا مِنْ أَنَّ مَنْ أَشْقَاهُمُ اللَّهُ لَا يَنْفَعُ فِيهِمُ التَّذْكِيرُ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [10/ 96]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [26/ 200]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [10/ 101]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [10/ 100]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [16/ 37]، وَهَذِهِ الْآيَةُ وَأَمْثَالُهَا فِي الْقُرْآنِ فِيهَا وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا فِي الَّذِينَ سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُمْ أَشْقِيَاءُ، عِيَاذًا بِاللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ مَا دَامُوا مُتَلَبِّسِينَ بِالْكُفْرِ، فَإِنْ هَدَاهُمُ اللَّهُ إِلَى الْإِيمَانِ وَأَنَابُوا زَالَ ذَلِكَ الْمَانِعُ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: {فَلَنْ يَهْتَدُوا} [18/ 57]؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي بَعْدَ لَنْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِ إِنْ وَنَحْوِهَا، وَالْجَزَاءُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَالِحًا لِأَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِ إِنْ وَنَحْوِهَا لَزِمَ اقْتِرَانُهُ بِالْفَاءِ، كَمَا عَقَدَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ** شَرْطًا لِإِنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ

وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِذًا جَزَاءٌ وَجَوَابٌ، فَدَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ اهْتِدَائِهِمْ لِدَعْوَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِمَعْنَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلِاهْتِدَاءِ سَبَبًا لِانْتِفَائِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى: فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذَا دَعَوْتَهُمْ، ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى الزَّمَخْشَرِيُّ، وَتَبِعَهُ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ، وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ غَلِطَا فِيهِ، وَغَلِطَ فِيهِ خَلْقٌ لَا يُحْصَى كَثْرَةً مِنَ الْبَلَاغِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ هُنَا وَأَبَا حَيَّانَ ظَنَّا أَنَّ قَوْلَهُ: وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا شَرْطٌ وَجَزَاءٌ، وَأَنَّ الْجَزَاءَ مُرَتَّبٌ عَلَى الشَّرْطِ كَتَرْتِيبِ الْجَزَاءِ عَلَى مَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِ؛ وَلِذَا ظَنَّا أَنَّ الْجَزَاءَ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الِاهْتِدَاءِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِي الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: فَلَنْ يَهْتَدُوا مُرَتَّبٌ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ دُعَاؤُهُ إِيَّاهُمُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى، الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ إِذًا فَصَارَ دُعَاؤُهُ إِيَّاهُمْ سَبَبَ انْتِفَاءِ اهْتِدَائِهِمْ وَهَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَيْسَتْ شَرْطِيَّةً لُزُومِيَّةً، حَتَّى يَكُونَ بَيْنَ شَرْطِهَا وَجَزَائِهَا ارْتِبَاطٌ، بَلْ هِيَ شَرْطِيَّةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، وَالشَّرْطِيَّةُ الِاتِّفَاقِيَّةُ لَا ارْتِبَاطَ أَصْلًا بَيْنَ طَرَفَيْهَا، فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا سَبَبًا فِي الْآخَرِ، وَلَا مَلْزُومًا لَهُ، كَمَا لَوْ قُلْتَ: إِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ نَاطِقًا فَالْفَرَسُ صَاهِلٌ فَلَا رَبْطَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ فِي الِاتِّفَاقِيَّةِ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، كَقَوْلِكَ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ انْتِفَاءِ الْعِصْيَانِ لَيْسَ هُوَ عَدَمُ الْخَوْفِ الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ، بَلْ هُوَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، وَهُوَ تَعْظِيمُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَمَحَبَّتُهُ الْمَانِعَةُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنَا: فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا، سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ غَيْرُ مَذْكُورٍ مَعَهُ فَلَيْسَ هُوَ قَوْلُهُ: {وَإِنْ تَدْعُهُمْ} كَمَا ظَنَّهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وَأَبُو حَيَّانَ وَغَيْرُهُمَا، بَلْ سَبَبُهُ هُوَ إِرَادَةُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا انْتِفَاءَ اهْتِدَائِهِمْ عَلَى وَفْقِ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَزَلًا.
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي عَدَمِ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّرْطِيَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} [3/ 154]؛ لِأَنَّ سَبَبَ بُرُوزِهِمْ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي الْآيَةِ، وَهُوَ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ أَنَّ بُرُوزَهُمْ إِلَيْهَا لَا مَحَالَةَ وَاقِعٌ، وَلَيْسَ سَبَبُهُ كَيْنُونَتُهُمْ فِي بُيُوتِهِمُ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ} [18/ 109]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّرْطِيَّةِ اللُّزُومِيَّةِ وَالشَّرْطِيَّةِ الِاتِّفَاقِيَّةِ فِي أُرْجُوزَتِي فِي الْمَنْطِقِ وَشَرْحِي لَهَا فِي قَوْلِي:
مُقَدِّمُ الشَّرْطِيَّةِ الْمُتَّصِلَهْ مَهْمَا تَكُنْ ** صُحْبَةُ ذَاكَ التَّالِ لَهْ

لِمُوجَبٍ قَدِ اقْتَضَاهَا كَسَبَبْ ** فَهْيَ اللُّزُومِيَّةُ ثُمَّ إِنْ ذَهَبْ

مُوجَبُ الِاصْطِحَابِ ذَا ** بَيْنَهُمَا فَالِاتِّفَاقِيَّةُ عِنْدَ الْعُلَمَا

وَمِثَالُ الشَّرْطِيَّةِ الْمُتَّصِلَةِ اللُّزُومِيَّةِ قَوْلُكَ: كُلَّمَا كَانَتِ الشَّمْسُ طَالِعَةً كَانَ النَّهَارُ مَوْجُودًا، لِظُهُورِ التَّلَازُمِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ حُصُولُ مُطْلَقِ اللَّازِمِيَّةِ دُونَ التَّلَازُمِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، كَقَوْلِكَ: كُلَّمَا كَانَ الشَّيْءُ إِنْسَانًا كَانَ حَيَوَانًا، إِذْ لَا يَصْدُقُ عَكْسُهُ.
فَلَوْ قُلْتَ: كُلَّمَا كَانَ الشَّيْءُ حَيَوَانًا كَانَ إِنْسَانًا لَمْ يَصْدُقْ؛ لِأَنَّ اللُّزُومَ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ لَا يَقْتَضِي الْمُلَازَمَةَ فِي كِلَيْهِمَا، وَمُطْلَقُ اللُّزُومِ تَكُونُ بِهِ الشَّرْطِيَّةُ لُزُومِيَّةً، أَمَّا إِذَا عُدِمَ اللُّزُومُ مِنْ أَصْلِهِ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَهِيَ اتِّفَاقِيَّةٌ، وَمِثَالُهَا: كَلِمَةُ كَانَ الْإِنْسَانُ نَاطِقًا كَانَ الْحِمَارُ نَاهِقًا، وَبِسَبَبِ عَدَمِ التَّنَبُّهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرْطِيَّةِ اللُّزُومِيَّةِ، وَالشَّرْطِيَّةِ الِاتِّفَاقِيَّةِ ارْتَبَكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ وَالْبَلَاغِيِّينَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى لَوْ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا فِي الْمَعْنَى بَيْنَ قَوْلِكَ: لَوْ كَانَتِ الشَّمْسُ طَالِعَةً لَكَانَ النَّهَارُ مَوْجُودًا، وَبَيْنَ قَوْلِكَ: لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، مَعَ أَنَّ الشَّرْطَ سَبَبٌ فِي الْجَزَاءِ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ لُزُومِيَّةٌ، وَلَا رَبْطَ بَيْنَهُمَا فِي الثَّانِي لِأَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْمُفْتَرِقِينَ ارْتَبَكَ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.

.تفسير الآية رقم (58):

{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ غَفُورٌ، أَيْ: كَثِيرُ الْمَغْفِرَةِ، وَأَنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ يَرْحَمُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَرْحَمُ الْخَلَائِقَ فِي الدُّنْيَا.
وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ: أَنَّ هَذِهِ الْمَغْفِرَةَ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ بِمَشِيئَتِهِ جَلَّ وَعَلَا إِلَّا الشِّرْكَ، كَقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [4/ 48]، وَقَوْلِهِ: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ} [5/ 72].
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ رَحْمَتَهُ وَاسِعَةٌ، وَأَنَّهُ سَيَكْتُبُهَا لِلْمُتَّقِينَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [7/ 156].
وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ سِعَةَ مَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ: كَقَوْلِهِ: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [53/ 32]، وَقَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [39/ 53]، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُ مَعَ سِعَةِ رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ شَدِيدُ الْعِقَابِ، كَقَوْلِهِ: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [13/ 6]، وَقَوْلِهِ: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ} [40/ 3]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [15/ 49- 50]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ} بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ لَوْ يُؤَاخِذُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ كَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ لِشَنَاعَةِ مَا يَرْتَكِبُونَهُ، وَلَكِنَّهُ حَلِيمٌ لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ، فَهُوَ يُمْهِلُ وَلَا يُهْمِلُ.
وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} [16/ 61]، وَقَوْلِهِ: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [35/ 45]، وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ مُسْتَوْفًى.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا}.
بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ الْعَذَابَ فِي الْحَالِ فَلَيْسَ غَافِلًا عَنْهُمْ وَلَا تَارِكًا عَذَابَهُمْ، بَلْ هُوَ تَعَالَى جَاعِلٌ لَهُمْ مَوْعِدًا يُعَذِّبُهُمْ فِيهِ، لَا يَتَأَخَّرُ الْعَذَابُ عَنْهُ وَلَا يَتَقَدَّمُ.
وَبَيَّنَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ فِي النَّحْلِ: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [16/ 61]، وَقَوْلِهِ فِي آخِرِ سُورَةِ فَاطِرٍ: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [35/ 45]، وَكَقَوْلِهِ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [14/ 42]، وَكَقَوْلِهِ: {وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ} [29/ 53].
وَقَدْ دَلَّتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُؤَخِّرُ شَيْئًا عَنْ وَقْتِهِ الَّذِي عُيِّنَ لَهُ وَلَا يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [63/ 11]، وَقَوْلِهِ: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [7/ 34]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ} الْآيَةَ [71/ 4]، وَقَوْلِهِ: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [13/ 38]، وَقَوْلِهِ: {لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ} [6/ 67]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [18/ 57]، أَيْ: مَلْجَأً يَلْجَئُونَ إِلَيْهِ فَيَعْتَصِمُونَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْعَذَابِ الْمَجْعُولِ لَهُ الْمَوْعِدُ الْمَذْكُورُ، وَهُوَ اسْمُ مَكَانٍ، مِنْ وَأَلَ يَئِلُ وَأْلًا وَوُءُولًا بِمَعْنَى لَجَأَ، وَمَعْلُومٌ فِي فَنِّ الصَّرْفِ أَنَّ وَاوِيَّ الْفَاءِ مِنَ الثُّلَاثِيِّ يَنْقَاسُ مَصْدَرُهُ الْمِيمِيُّ وَاسْمُ مَكَانِهِ وَزَمَانِهِ عَلَى الْمَفْعِلِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ كَمَا هُنَا، مَا لَمْ يَكُنْ مُعْتَلَّ اللَّامِ فَالْقِيَاسُ فِيهِ الْفَتْحُ كَالْمَوْلَى، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: لَا وَأَلَتْ نَفْسُهُ، أَيْ: لَا وَجَدَتْ مَنْجًى تَنْجُو بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لَا وَأَلَتْ نَفْسُكَ خَلَّيْتَهَا ** لِلْعَامِرِيَّيْنِ وَلَمْ تُكْلَمِ

وَقَالَ الْأَعْشَى:
وَقَدْ أُخَالِسُ رَبَّ الْبَيْتِ غَفْلَتَهُ ** وَقَدْ يُحَاذِرُ مِنِّي ثُمَّ مَا يَئِلُ

أَيْ مَا يَنْجُو.
وَأَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْمَوْئِلِ رَاجِعَةٌ إِلَى مَا ذَكَرْنَا، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: مَوْئِلًا مَحِيصًا، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ مَنْجًى، وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ مُحْرِزًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَكُلُّهُ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا.